أخبار عاجلة

من معركة أنوال إلى جبال السلفادور.. قصص منسية من تاريخ المغرب مع نور الدين دحان | ثقافة


قال الطبيب والمناضل والناشط في المجتمع المدني المغربي نور الدين دحان إن “الإسبان الذين أتوا إلى شمال المغرب لم يكونوا في معظمهم معمرين، بل باحثين عن فرص أفضل للعيش”.

وشرح دحان -في حوار مع بودكاست “مغارب” عبر منصة “أثير” التابعة لشبكة الجزيرة الإعلامية- أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي عاشها هؤلاء الإسبان في بلدهم، والسعي المحموم لإمبراطوريتهم للبحث عن موطئ قدم بين اللاعبين الكبار نهاية القرن الـ19 ومطلع القرن الـ20، دفعت بعض المؤرخين إلى اعتبار الاستعمار الإسباني “استعمارا فقيرا” لعدم تناسب قوته العسكرية مع وضعيته الاقتصادية في تلك الفترة.

وأشار دحان إلى أن “عبد الكريم الخطابي لعب دورا محوريا يتجاوز قيادة المقاومة إلى إعادة بناء الوعي، وتوحيد صفوف القبائل، وتشكيل قوة مقاومة منظمة وعصرية استطاعت مجابهة جيش إسباني متفوق مدجج بالأسلحة والعتاد، بل والانتصار عليه في معركة أنوال”، التي كان لتداعيتها الأثر الهائل في الداخل الإسباني بما قاد إلى الحرب الأهلية الإسبانية فيما بعد.

وتطرق الطبيب المغربي لتفاصيل مثيرة ومنسية حول تاريخ المغرب الحديث من معركة أنوال إلى انقلاب الصخيرات ضد الملك الراحل الحسن الثاني، تقاطعت بشكل لافت مع سيرة العائلة من الجد إلى الحفيد، ومن هنا أتت أهمية الشهادة وخصوصيتها لابتعادها عن السرد التوثيقي الأكاديمي، واقترابها أكثر من الجانب الإنساني المباشر.

عندما يكون الاستعمار “فقيرا”

ووفقا لما نقله دحان عن جده، فإن السواد الأعظم من الإسبان الذين أتوا إلى شمالي المغرب “كانوا ينتمون إلى الطبقة الفقيرة، وينحدرون من منطقة الأندلس جنوبي إسبانيا (وفق التقسيم الحديث للأقاليم الإسبانية)، وكانوا يتقاسمون مع المغاربة السكن في الأحياء ذاتها، بل إن المغربيات والإسبانيات كن يتبادلن إرضاع أبنائهن”، وهذا الأمر يختلف إلى حد كبير عن مناطق الاستعمار الفرنسي، حيث كان الفرنسيون يميلون إلى الانعزال في أحياء خاصة بهم.

أن تفرح بمقتل قائدك المباشر في المعركة

في هذا السياق، قدم نور الدين دحان ما يمكن اعتبارها شهادة نادرة وغير مسبوقة عن معركة أنوال بعيون جده الذي شارك في المعركة، لكنه شارك جنديا في الجيش الإسباني، حيث شرح تفاصيل الظرفية الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي قادت جده إلى اتخاذ هذا القرار، وسعي قوات عبد الكريم الخطابي الحثيث لإقناع مغاربة الجيش الإسباني بالانضمام إليها، هؤلاء الذين خاضوا تلك المعارك مكرهين ودون أدنى رغبة في القتال، حتى إن جده “فرح بمقتل قائده النقيب الإسباني برصاصة في منتصف جبهته لأن ذلك سيجنبه الدخول في مواجهة مباشرة مع إخوانه المغاربة”.

الأطفال المغاربة وقود فرانكو في الحرب الأهلية الإسبانية

وقد كان لهزيمة الإسبان في أنوال عام 1921 الأثر البالغ سياسيا وعسكريا واجتماعيا في الداخل الإسباني، فأسهم تسلسل الأحداث بعدها في قيادة فرانسيسكو فرانكو لانقلاب عسكري على الجمهورية الإسبانية عام 1936، بدأه للمفارقة من المغرب، لتندلع الحرب الأهلية الإسبانية.

وهنا، سيظهر اسم عائلة دحان مرة أخرى عن طريق الأب هذه المرة، الذي سيجند بدوره في الفيلق المغربي المنضوي تحت لواء الجيش الإسباني وهو لا يزال طفلا في الـ13 من عمره، حيث سيشهد إنزال القوات المغربية في الأراضي الإسبانية، ويخوض عددا من المعارك الضارية في مختلف الجبهات ضد القوات الجمهورية، وفي ظروف قاسية، حيث إن الجنود كانوا “ينزعون الألواح الخشبية من الكنائس ليتدفؤوا بنيرانها من شدة البرد”، كما أصيب مرتين قبل أن يدخل مدريد مع انتصار فرانكو ونهاية الحرب الأهلية عام 1939.

انقلاب الصخيرات وطفولة بين الثكنات

ينتقل دحان بعد ذلك إلى الحديث عن طفولته، فقد ولد دحان عاما واحدا بعد الاستقلال، حيث انضم والده إلى القوات المسلحة الملكية، مع ما يعنيه ذلك من طفولة عاشها نور الدين بين الثكنات، ثم كان الحدث المفصلي الذي تقاطع فيه مصير العائلة مع تاريخ المغرب من جديد عندما امتنع الوالد عن المشاركة في تخطيط وتنفيذ المحاولة الانقلابية التي نفذها اعبابو للإطاحة بحكم الملك الراحل الحسن الثاني.

الوعي النضالي المبكر وأحلام دراسة الطب

لم يكن تحقيق ضيف الحلقة لحلمه في دراسة الطب بالأمر الهيّن، مع ارتباط سنوات السبعينيات بواقع سياسي ونضالي نوعي، خاصة في مرحلة ما بعد المحاولتين الانقلابيتين ضد الملك الراحل الحسن الثاني، وتصاعد وتيرة الإضرابات والاعتقالات في صفوف المعارضين، ليكون لنور الدين دحان دور في خوض “معركة نضالية” أسهمت في إتاحة المجال لعدد من أبناء الطبقة الفقيرة لمتابعة دراستهم في كلية الطب بالعاصمة المغربية الرباط، بعدما ظلت حكرا لسنوات على أبناء الطبقات الميسورة والعائلات النافذة، ليكتفي دحان بثلاث سنوات، قبل أن يهاجر إلى هولندا لاستكمال دراسته وبدء مشوار طويل وغني ومتميز مع التخصص في طب الأطفال.

لسان الدين بوخبزة.. سيرة طبيب مقاتل

شهدت الحلقة أيضا سردا لأطوار قصة منسية، حيث حكى نور الدين دحان عن “غيفارا العرب”، لسان الدين بوخبزة الطبيب المغربي الذي ينحدر من مدينة تطوان شمالي المغرب.

جمعت دحان وبوخبزة مقاعد الدراسة، قبل أن تفرق بينهما اختيارات لسان الدين، الذي تطوع في صفوف الثورة الفلسطينية وسافر إلى مخيمات جنوب لبنان في الثمانينيات، قبل أن يعود إلى المغرب لـ”عدم اقتناعه بنهج فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وأفق مشروعها” قبل أن يشد الرحال إلى أميركا اللاتينية، وبالضبط إلى دولة السلفادور التي شهدت حربا أهلية بين المعارضة والحكومة المدعومة أميركيا في عز الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، ليلقى حتفه عام 1987 وهو لم يتجاوز بعد الثلاثين من عمره.

زي أبيض في خدمة الأطفال

وفي ختام الحلقة، تحدث نور الدين دحان عن واقع الطب في المغرب اليوم بحكم تجربته الطويلة التي تتجاوز ثلاثة عقود قضاها في مستشفيات هولندا متخصصا في طب الأطفال، و”نزيف الأطباء” المغاربة الذين يهاجرون بأعداد كبيرة سنويا خارج البلاد بحثا عن فرص أفضل في أوروبا وغيرها، محللا أسباب هذه الظاهرة، ومنتقدا في الآن ذاته تحول بعض المؤسسات الصحية إلى مؤسسات هدفها الربح المادي فقط، بما يتعارض مع “رسالة الطب السامية”.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى