أخبار عاجلة

أحمدو بِيلو.. حفيد الخليفة عثمان فودي وشهيد أول انقلاب عسكري في نيجيريا


تعود جذور العلاقة بين الإسلام وأفريقيا إلى زمان البعثة النبوية في الفترة المكية حيث لقي المسلمون الاضطهاد والظلم؛ ما دفعهم للهجرة إلى أرض الحبشة على الساحل الشرقي للقارة الأفريقية قبل أن يهاجروا إلى المدينة المنورة ببضع سنين، وفيها وجد المسلمون العدل والاطمئنان في ظل النجاشي، وظلوا هنالك سنين طويلة حتى العام الثامن من الهجرة، ولئن بلغ الإسلام القارة من شرقيّها في فترة مبكرة من قبل حتى أن تصل أقدام الصحابة والتابعين أراضي العراق والشام ومصر فيما بعد، فقد بلغوا غرب القارة قبل نهايات القرن الأول الهجري، ووصل وجودهم ذروته في زمن المرابطين في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي.

ففي المناطق الواقعة في حوض نهر السنغال كان المرابطون يعدّون أنفسهم لتغيير الخارطة السياسية والثقافية والدينية من الأندلس والمغرب شمالا وحتى مناطق غرب أفريقيا ووصولا لمناطق خط الاستواء جنوبا، وطوال سبعة قرون تالية حملت الراية الدول الإسلامية التي نشأت عقب ذلك مثل ممالك وإمبراطوريات مالي والسُنغاي والكانم وبورنو والتِكرور وغيرها، بالتزامن مع حركة صوفية نشطة عملت على الدعوة إلى الإسلام بكل قوتها وسعت لترسيخ الوجود الإسلامي في هذه المناطق وبين قبائل كثيرة العدد لا تكاد تُحصى.

عثمان بن فودي وأسرته ودورهم الإصلاحي

(مواقع التواصل الاجتماعي)

حتى إذا أهلّ القرن التاسع عشر الميلادي كانت هذه الدويلات والقبائل قد فقدت حماستها وشغفها القديم بالدعوة إلى الإسلام، ووقع كثير من المسلمين تحت ضغط الحاجة والإفقار والجهل والمرض والأسْر، بل والظلم من بني جلدتهم ودينهم. وقد رأى كل ذلك رجلٌ عالم من علماء المالكية في هذه البلاد، ومؤلف متبحِّر، وصوفي من أبناء الطريقة القادرية الراسخة في هذه المناطق؛ فأدرك مقدار التخلف والجهل والظلم، وأيقن أن الحل لا يكون إلا بتأسيس دولة تجمع شتات هؤلاء القوم، وتقضي على الظلم والجشع، وتقف أمام أطماع المستعمرين، كما فعل المرابطون الأوائل في زمن يوسف بن تاشفين وأبي بكر بن عمر اللمتوني. وقد جمع بين العلم والقيادة السياسية في آن واحد، ولم يشأ أن يكون في موضع العالم المستعين بالسلطان على تحقيق أهدافه كما فعل عبد الله بن ياسين مع يوسف بن تاشفين، أو محمد بن عبد الوهاب مع محمد بن سعود. ونجحت خطة عثمان بن فودي في تأسيس دولة إسلامية في جميع المناطق المعروفة اليوم ضمن الولايات الشمالية من دولة نيجيريا وما حولها من المناطق ذات الأغلبية المسلمة[1].

ولكن بالتوازي مع هذه التطورات السياسية والدينية في غرب القارة على يد الحركة الفُلانية الفودوية التي قادها الشيخ عثمان فوديو أو ابن فودي، كانت القوى الأوروبية التي تتمركز في هذه المناطق منذ الاحتلال البرتغالي والهولندي ثم الفرنسي والألماني والبريطاني والبلجيكي تتنافس على توسيع مراكزها التجارية لكي تتحول إلى احتلال دائم، لا سيما بعدما تم تجريم تجارة الرقيق الأفريقي في العقد الأول من القرن التاسع عشر. وقد بدأت هذه الدول الأوروبية تدرك الأهمية الاقتصادية للقارة الأفريقية في توفير السلع والمواد الخام وغيرها، وإثر هذا الصراع عُقِد مؤتمر برلين للدول الأوروبية عامي 1884 و1885م، وفيه قُسِّمت الكعكة الأفريقية بين الدول الاستعمارية. ثم أسَّست بريطانيا شركة النيجر الملكية التي بمقتضاها استطاعت أن تضم أقاليم شمال وجنوب نيجيريا إلى سلطتها، وأعلنت بحلول عام 1887م الحماية البريطانية على هذه المناطق[2].

وُلِد أحمدو بيلو في مدينة رباح بإقليم صُكُتو شمال البلاد، قلعة دولتهم وإمارتهم الإسلامية القديمة. (شترستوك)

أعلن الإنجليز تسمية المناطق الشمالية، وهي موطن مملكة صُكُتو (Sokoto) الإسلامية التي أنشأها عثمان بن فودي وأبناؤه، باسم “المحمية الشمالية”، تمييزا لها عن “المحمية الجنوبية” لنيجيريا، وقد أبت الإمارات الإسلامية الشمالية وعلى رأسها الإمارة الفُلانية لعثمان فوديو في صُكُتو أن تستسلم للإنجليز بسهولة، واستمرت المقاومة الإسلامية حتى عام 1903م قبل أن تنهزم ويضطر السلطان الطاهر حفيد عثمان فوديو إلى الفرار، لكن الإنجليز تتبَّعوا أثره فاندلعت بينهما معركة كبيرة استُشهد فيها السلطان وأعيان مملكته، وفلت آخرون منهم محمد بيلو[3].

أحمدو بيلو يتسلم الراية بنمط جديد

كواحد من أحفاد محمد بيلو وعثمان بن فوديو، وُلِد أحمدو بيلو في مدينة رباح بإقليم صُكُتو شمال البلاد، قلعة دولتهم وإمارتهم الإسلامية القديمة، في يناير/كانون الثاني 1910م، وقد نشأ على تراث آبائه وأجداده، فقرأ القرآن وحفظه، وتعلم في محاضن الطريقة الصوفية القادرية، ودخل المدرسة البريطانية الابتدائية، ثم مدرسة المُعلِمين العليا في بلدة “كاتشينا” القريبة، وبعد تخرجه في المرتبة الأولى على دفعته عاد ليعمل معلما في إقليم صُكُتو[4].

أحمد بيلو (مواقع التواصل)

في تلك الأثناء عانت مستعمرات غرب أفريقيا من نير الاحتلال الأوروبي وشرعت في مقاومته، وفي القلب منه الاحتلال البريطاني الذي كانت مصر قد ثارت ضده في الفترة نفسها عام 1919. وفي العام التالي 1920م انعقد في “أكرا” -عاصمة غانا- مؤتمر اشترك فيه نواب من سائر مستعمرات بريطانيا في غرب أفريقيا، وبعثوا وفدا إلى لندن طالب بإعطاء الأهالي حقّ تعيين ملوكهم وأمرائهم، وتأسيس مجلس تشريعي لكل قُطر يكون نصف أعضائه من أهل البلد الأفارقة، وإلغاء الامتيازات الأوروبية في الوظائف الرسمية والحكومية، وغيرها من مطالب قَبِلت بريطانيا ببعضها، ونتيجة لذلك أُجرِي انتخاب أول مجلس تشريعي في نيجيريا عام 1923م، وهو العام نفسه الذي صدر فيه دستور مصر بعد ثورة 1919م.

استغل أحمدو بيلو هذه التطورات وانخرط في الحكم الإداري لمناطق خلافة آبائه وأجداده، وفي عام 1938 عُيّن مديرا على مقاطعة غسو، وازدادت شهرته بين قومه من الفُلانيين والهوسا بحصوله على لقب “ولي العهد” لسلطان صُكُتو، ولهذا السبب ذاع صيته في المناطق الشمالية كلها. وقد قرر تطوير معارفه القليلة في الحكم المحلي، فسافر إلى بريطانيا عام 1948م لدراسة هذا التخصص، وبعد عودته عُيِّن عضوا في المجلس التشريعي لدستور نيجيريا، ثم تولى حقيبة وزارة الحكم المحلي عام 1953، ثم أصبح في العام التالي رئيسا لوزراء الإقليم الشمالي لنيجيريا حين مُنح الحكم الذاتي. يقول بيلو في مذكراته: “أقدمتُ على العمل السياسي لاسترداد أمجاد أجدادي الذين بنوا إمبراطورية إسلامية في غرب أفريقيا، فقد اختار الله العظيم أجدادي ليتزعّموا حركة الجهاد المقدس الذي أقام دولة إسلامية، وها أنا اليوم قد تم اختياري بواسطة انتخابات حرة للمساعدة على بناء دولة حديثة”[5].

ظهر أحمدو بيلو في تلك الفترة من خمسينيات القرن العشرين مدافعا عن نظام الحكم الفيدرالي في نيجيريا باعتباره الأكثر ملاءمة لطبيعتها الداخلية السكانية الطائفية، وخوفا من هيمنة الجنوب ذي الأغلبية المسيحية على الشمال ذي الأغلبية المسلمة. وقد قاد الوفد الشمالي في أواخر خمسينيات القرن العشرين أثناء محادثات الاستقلال التي عُقدت في لندن، كما أسَّس حزب المؤتمر الشعبي الشمالي وفاز بعدد من المقاعد البرلمانية، وأقام تحالفا مع المجلس الوطني للمواطنين النيجيريين بزعامة “نامدي أزيكيوي” لتشكيل أول حكومة فيدرالية محلية استطاعت الحصول على الاستقلال من بريطانيا.

مع إعلان استقلال نيجيريا عام 1960م، رفض بيلو رئاسة وزراء دولة نيجيريا الاتحادية، وآثر أن يركز اهتمامه ونشاطه على المناطق الإسلامية في الشمال التي أدرك مدى الإجرام الذي ارتكبه الإنجليز في حقّها مقارنة بمناطق الجنوب ذات الأغلبية المسيحية التي نالت حظا أوفر من التطور بسبب قُربها من الساحل وغِناها بالنفط. وقد رأى بيلو أن المسلمين أمام عدة تحديات كبيرة ومتجذرة: أولها مواجهة النشاط التنصيري الذي استهدف القبائل الوثنية وبعض المناطق الإسلامية الفقيرة والمُهمشة، وثانيها ضرورة نشر التعليم، وبناء المدارس والمساجد والجامعات، وثالثها ضرورة التنمية المحلية بإنشاء بنية تحتية متطورة، وجذب الاستثمارات للحد من الفقر والبطالة والعوز الذي عانت منه مناطق شمال نيجيريا.

لهذا السبب، أسهم بيلو في إنشاء شركة التنمية الإقليمية الشمالية والعديد من الصحف والبنوك والإذاعات والمدارس والكليات والمساجد والطرق، وقد آمن بأنه من الضروري أن تلحق مناطق الشمال بركب التقدم في مناطق الجنوب ذات الأغلبية المسيحية، وأن تستفيد من الغرب في الجوانب التنموية، مع أهمية أن يحتفظ مسلمو نيجيريا بثقافتهم وهويتهم.

أنشأ بيلو أول جامعة كبرى في منطقة شمال نيجيريا بمدينة “كادونا” عام 1962م، حيث آثر السكان المحليون أن تكون باسمه، وكان هو أول رئيس لها. (wikipedia)

نظرا لكِبَر هذه التحديات وجسامتها، عمل بيلو على التقارب مع زعماء العالم الإسلامي، فزار كلّا من مصر والسعودية والمغرب والسودان وباكستان وغيرها، وشجَّع على ابتعاث أبناء بلده ليستفيدوا من تجارب هذه البلدان الإسلامية في النهضة العلمية والتنموية والحضارية، كما أنشأ أول جامعة كبرى في منطقة شمال نيجيريا بمدينة “كادونا” عام 1962م، حيث آثر السكان المحليون أن تكون باسمه، فسُميَت جامعة “أحمدو بيلو”، وكان هو أول رئيس لها. علاوة على ذلك، رَأَس بيلو مجلس وزراء مناطق صُكُتو الشمالية. وسعيا لحفظ حقوق المسلمين الفُلانيين والهَوْسا في البرلمان النيجيري والحكومة الاتحادية، قرر إنشاء “المجلس الاستشاري للشؤون الإسلامية” التابع للبرلمان حينذاك، وبالتوازي مع هذا المجلس أنشأ جمعية “نصر الإسلام” بمساعدة القبائل والقوى المحلية الشمالية، والتي حرص على أن تُحقِّق عدة أهداف، منها نزع الشقاق بين المسلمين، ونشر الدعوة الإسلامية، وجمع شتات المسلمين في ظل دولة نيجيريا الاتحادية الجديدة.

يقول بيلو في مذكراته إنه هدف من وراء ذلك دعوة القبائل الوثنية إلى الإسلام، ومواجهة النشاط التبشيري في المناطق الشمالية. وقد استطاع على حد قوله أن يُقنع ما يزيد عن 12 ألف وثني بالإسلام في الفترة ما بين ديسمبر/كانون الأول 1963 ومارس/آذار 1965م، واستغل فرصة الحج كل عام للذهاب ولقاء المسلمين وقادتهم طالبا العون منهم في نشاطه ومشروعه الإسلامي والدعوي والتنموي في مناطق ولايته. وكان بيلو من المؤمنين بوحدة العالم الإسلامي، ولهذا شجع على إنشاء رابطة العالم الإسلامي عام 1962م، ونظرا لهذا الحماس والنشاط الكبير عُيِّن عند إنشاء الرابطة نائبا لها، وكان أول من بدأ كتابة لغة الهَوْسا بالأحرف العربية لربط السكان المحليين بدينهم وإلزامهم بتعلم العربية[6].

اغتياله وتجربته

 

 

كان بيلو أول زعيم أفريقي يُندد بالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ويرفض زيارة وفد إسرائيلي للمناطق الشمالية بنيجيريا، ودخل في معارك دبلوماسية وسياسية مع زعماء نيجيريا المسيحيين رافضا إنشاء قنصلية إسرائيلية في البلاد. وقد ظل الرجل على مبادئه ونشاطه الكبير، وحافظ على علاقات وثيقة بروابط وجامعات العالم الإسلامي الكبرى في مصر (مثل الأزهر) والسودان والسعودية والمغرب، حتى وقع أول انقلاب مسلح قاده ضباط مسيحيون في يناير/كانون الثاني 1966م، وفي غضون أيام داهم بعض من هؤلاء المسلحين منزله بقيادة جنرال مسيحي من قبيلة الإيبو وأطلقوا عليه النيران، فاستُشهد وزوجته وأفراد أسرته وعمره آنذاك 56 عاما، كما قتلوا رئيس وزراء نيجيريا الاتحادية “أبو بكر تفاوي باعليوه” الحليف المقرب من بيلو.

فتح انقلاب 1966م الباب واسعا أمام إضعاف النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في البلاد، بل وأدى لاندلاع الحرب الأهلية بين عامي 1967 و1970، كما تبعته العديد من الانقلابات العسكرية في تاريخ نيجيريا الحديث والمعاصر. وقد تخلّفت نيجيريا لعقود نظرا لهذه الأحداث الدموية والطائفية، وخسرت رجلا آمن بالتنمية ومحاربة الفقر والجهل، مع رسوخ قدمه في العلوم، إذ حصل على شهادة الدكتوراه في القانون في أوائل الستينيات، بالإضافة إلى تجربته العملية في الحكم المحلي، واعتزازه بدينه وهويته وثقافته وبالدعوة إليه، ولم يكن من المستغرب أمام رجل بهذه المؤهلات، وبتاريخ طويل في الدفاع عن الإسلام، أن تناله يد الإجرام هو وأسرته من بني فودي، ليموت شهيدا في سبيل ما آمن به.

________________________________________

المصادر:

  • [1] آدم عبد الله الإلوري: الإسلام في نيجيريا والشيخ عثمان بن فوديو الفُلاني ص135، 136.
  • [2] تاريخ غرب أفريقيا ص327، 328.
  • [3] آدم الإلوري: السابق ص208.
  • [4] عبد الله سعد الرويشد: قادة الفكر الإسلامي عبر القرون، ص462.
  • [5] نقلا عن عبد اللطيف محمد سعيد: الداعية أحمدو بيلو ودوره في نشر الإسلام في نيجيريا، مقال بالمجلة الليبية العالمية، جامعة بني غازي، العدد 23، ص6.
  • [6] Ahmadu Bullo, My Life, Cambridge un press 1962, p120-130.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى